إنه الخبز يا …….. !
كتبهامروان المريسي ، في 13 مايو 2009 الساعة: 11:55 ص
كثيرة هي مقالات الرأي التي قرأتها في الآونة الأخيرة عن اليمن ورغبة بعضهم في العودة إلى الانفصال، أعاذنا الله من شر الانفصال والفرقة والتشرذم. بين المقال والآخر قلما وجدت من يتحدث أو يلتفت "ربع التفاتة" إلى المعضلة الحقيقية في اليمن ألا وهي "الخبز".
ففقدان الخبز هو ما يجعل المرء يفقد عقله، ويطالب بغير المألوف ولا المقبول لا عرفاً ولا شرعاً ولا عقلاً.
فقدان الخبز يجعل الناس وحوشاً كاسرة وإن كانوا "أرق قلوباً وألين أفئدة".
فقدان الخبز يجعل الناس مجانين وإن كانوا "أهل حكمة" ومنحرفين وإن كانوا "أهل إيمان".
فقدان الخبز يجعل من الحبة قبة كما يقول أهل اليمن، ومن المنكر معروفاً، ومن المستحيل ممكناً.
الشعب اليمني كغيره من الشعوب العربية ليست راضية بالجملة عن حكامها، لكن البون شاسع بين حكومات وفرت لشعبها الخبز وأخرى لم توفر هذا الآسر المنشود.
اليمن ذات الثروة الزراعية التي تفوق بها جاراتها والثروة المائية التي يغبطها عليها العالم، نرى أسهمها الاقتصادية تتجه نحو الأسفل! لا بل نحو الهاوية.
اليمن ذات الثروة السمكية الكبيرة قلما يعرف الأغلبية من سكانها وجبة السمك، سيما وقد أصبحت علبة الزبادي ذات حجم الكف الواحدة "سيدة الطعام" والوجبة الرئيسية لدى هؤلاء.
اليمن الغنية بـ"العسل البلدي" ذي الجودة الفائقة يتجرع أهله - شماليين وجنوبيين - مرارة الفقر المغدق من قبل برنامج الحكومة الاقتصادي غير المنطقي، بالتأكيد الأمر مضحك؛ ولكنه "ضحكٌ كالبكاء"!
اليمن ذات الموارد البشرية المهولة تبدو اليوم أشبه بسيارة من نوع "هامر" صب في مكائنها مياه آسنة حتى أصابها الصدأ من الداخل ومن كل جانب، واهترأت وكادت تتناثر قطعاً سوداء مغبرة.
اليمني اليوم "هامر الأمس" أضحى شحاذاً على الحدود بين اليمن والمملكة العربية السعودية و"يوتيوب" يضج بمقاطع الفقر والبؤس لدى اليمنيين، آخرها تقارير تلفزيونية لـ"قناة السعيدة" تصرع الألباب، أبرزها تقرير برنامج (صدى الأسبوع) حول تفتيش بعض فقراء هذا البلد للنفايات بحثاً عما يسد رمقهم، لكن هذا الأمر توسّع اليوم وأصبح - ويا للأسف - ثقافة في جينات الجيل الجديد من أهل هذا البلد، حتى ظهر من الساخرين البؤساء من يقول شعراً: لا تسألن عن التكافل بيننا… الكل شحّاذٌ فمن يتصدقُ؟!
لكن القارعة التي لا يستطيع اليمنيون - بما تبقى لهم من كرامة - نسيانها أن حكومة الرئيس اليمني الحالي علي عبدالله صالح هي أول حكومة في تاريخ اليمن تدفع هذا البلد إلى "الشحاذة العالمية العلنية" التي شهدها العالم وعرفت بمؤتمر المانحين!
لا يختلف اثنان في الشارع اليمني على أن الخبز مطلب رئيس، إن لم يكن المطلب الأول، وهذا الخبز أمسى اليوم يباع بأسعار تزداد وفق متتالية هندسية تتجه صعوداً فيما رواتب الموظفين هي ذاتها إن لم تقضِ الخصومات "غير المبررة" على جزء غير هين منها.
في يمن اليوم ترتفع الأسعار برتابة يومية، فسعر اليوم غير سعر أمس، ومن المستحيل أن تجد يمنياً يشتري أي سلعة من أول محل يلج إليه، فالمفاضلة - بالتالي - أضحت ضرورة ملحة وركن شديد من أركان البيت اليمني التي لا يقوم بدونها.
صحيح.. ارتفعت أجور الموظفين في الآونة الأخيرة، وعقب الأزمة المالية العالمية، لكن الأمر كان في الجملة يسير في اتجاه الأسوأ اقتصادياً، ولو تحدثت إلى رجل الشارع اليمني لفاجأك بإجابات من قبيل: "الزيادة ما تغطيش!" أو: "ليت الحكومة لا زادتنا ولا زادت الأسعار"؛ ثم.. من قال أن رجل الشارع اليمني موظف بالجملة، لا بل إن الموظفين باتوا يخشون على وظائفهم من (الزحلقة) عقب الإعلان عن احتمال تسريح 113 ألف موظف العام الجاري والسبب "الأزمة المالية العالمية".
أن تكون مديوناً في اليمن فهذا هو الوضع الطبيعي! ومن ذا الذي يخلو في هذا البلد من ديون هذه الأيام!
لا يقتصر هذا الوضع على يمنيي الجنوب، بل إنه يعم البلد في كل زاوية من زواياه، لا بل إنه في الشمال ربما أشد منه في الجنوب، وأكبر شاهد على ذلك تنافس باعة البسطات مع الباعة المتجولين ومع الشحاذين على كل متر مربع بالجوار من "باب اليمن" المعلَم التاريخي الأبرز والأول لدى اليمن واليمنيين!
وماذا بعد؟ ينادي بعض الناس بالانفصال، وهذا عين "صب الزيت على النار"، بل هو أشبه بمن صام نهاراً صيفياً منهكاً، وأفطر على "أسيد"!
فالجغرافيا والتاريخ لا يعرف أي منهما خيراً من وراء الفرقة سيما ونحن جميعاً مسلمون نقر بـ(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، ونذعن لهذا الأمر الرباني جملةً وتفصيلاً، أو هكذا يفترض، أما الذين نادوا بـ: "يا جنوبي صح النوم.. لا وحدة بعد اليوم" أولى بأن يُرسلوا إلى مصحات نفسية!
أن تفوح رائحة الانفصال من اليمن فهذا ما يسيل له لعاب إيران التي تستغل كل حادثة وكل مناسبة من شأنها جعلها الدولة العظمى في المنطقة، ومن المؤكد أن دورها في اليمن غير خفي، وإن لم يكن الرئيسي، وعليه وجب التحذير من خطر الدعوة للانفصال من الداخل ومن خطر استغلال هذه الدعوة في الخارج اليمني، فأخشى ما يخشى أن يهيئ وضع اليمن الاقتصادي المنهار مناخاً ملائماً لبذر إيران بذورها الكارثية.
وعلى صلة بالخارج اليمني، فواجب دول الخليج نحو (خاصرتهم) الجغرافية كبير ودورهم مهم و"خيرهم سابق"، وليس هذا الوقت وقت الحديث في أخطاء الماضي، فثمة بلد ذي أهمية استراتيجية بالغة يغرق ولا قشة يتعلق بها.
يظل السؤال الكبير: من أين دب هذا الخلل إلا من الفساد الإداري لدى حكومة يمن اليوم؟ من أين إلا من المتنفذين الذين لم يُضربوا بيد من حديد؟ الرئيس اليمني عليه اليوم أن يغير حاشيته التي أثبتت السنوات فشلها الذريع في إصلاح أدنى خلل على كافة الصعد والمستويات، عليه أن يترجل عن نظرية "ما في في هالبلد إلا هالولد"! وليجرب (رجالاً) آخرين تمضي بهم السفينة إلى بر الأمان.
تملؤني الثقة أن الرئيس صالح لو أخذ على أيدي من ينخرون في سفينة الوطن فإن اليمنيين شماليين وجنوبيين وشرقيين وغربيين في الداخل والخارج سيرسلون القبلات إلى جبينه؛ منادين: "ما قصرت.. يعطيك ألف عافية".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























