كتب: مروان المريسي
"أخي الحبيب ، هديل ما زالت في غيبوبتها".. هكذا صفعتني رسالة أبيها وأستاذنا الدكتور محمد الحضيف، بعد معاناة في البحث عن "قشة" لبشرى سارة أتعلق بها والآلاف معي بعد أن ظللتنا؛ وأمطرتنا وأغرقتنا غمامة الحزن التي لما تنقشع بعد منذ السطور الأولى لأبيها في "الساحة العربية".
غفر الله لك يا دكتور.. ما كان ضَرَّكَ لو كذبت؟!
وصلت الرسالة بعد إلحاحي الشديد على الرد.. حَدَّ أن أطعن حروف هاتفي المحمول لأوصل لأستاذنا العزيز رسالةً تسجل رقماً قياسياً في الجرأة نَصُّها: "طمنونا على صحة الأخت هديل
أرجو بإلحاح الرد العاجل برسالة.. مروان المريسي".
ولا أخفيكم.. كان أملي ضعيفاً؛ غير منقطع، في الحصول على رد، فالرجل في شغله الشاغل، وهو لا يعرفني معرفة كبيرة، وما كان له - كرهاً لا طوعاً - أن يعرفني البتة في مثل هذا الظرف؛ لا أراه الله مثله.
لكنه.. جزاه الله الجنة؛ "رساني على بر" وخيراً صنع.
كثيراً سعيت للاطمئنان على هذه "البنت" التي ربما مرة أو مرتين فقط لمحتُ اسمها مشرفةً على الباب الأدبي لـ "مجلة حياة".. مجلة.. ماذا؟ الأستاذة إيمان! نعم.. إيمان العقيل.. رئيسة التحرير.. أكيد سأجد عندها خبراً.. وصلت رسالتها.. لكنها الأخرى، جزاها الله جنته، (لم تزد) على طلب الدعاء لهديل بالشفاء مؤكدة أنها على حالتها و.. (ما قصرت)، فـ "قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم".
لكن.. كيف هو وضع هديل اليوم؟ إنها - كما هي - في غيبوبتها، وربما تجرى لها عملية في القريب العاجل، شفاها الله وعافاها.
كما قلت، فإنني لا أعرف الكثبر عن هديل، وما كان ألمي عليها لينقص لو لم تكن "ابنة الحضيف"، فألمي على هذه الأخت هو ذات الألم على كل هديل.. اشتهرت أم لم، وهو ذات الألم على مهند أبو دية وكل مهند.. اشتهر أم لم.
هو ذات الألم على كل مسلم، ربطتني به هذه الرابطة، وكفى بها من صلة.
لكن الألم بالتأكيد يزيد إذا كانت هذه الحمامة أو ذلك الصمصام "مبدعاً" ربما خسرناه في طرفة عين، وربما خسرنا بخسارته - لا قدر الله - مشروعاً عملاقاً لا يقل عن مارك زوكيربيرغ، أبو الفايسبووك وابن الـ24 عاماً فقط! وإنه لمن الصدفة أن أكتب هذه السطور وإلى جواري العدد الجديد من مجلة تايم الأسبوعية الصادر بتاريخ 12/5/2008 ليتناول قائمة العام الحالي لأكثر 100 شخصية مؤثرة في عالمنا، وبالتأكيد كان زوكيربيرغ ضمنهم، ويآاااه كم يقسو السؤال: ألم يكن من المفترض أن نجد لك مكاناً في هذه القائمة يا عزيزي مهند؟
ثمة أمور تدفعني للصراخ في وجه الكرة الأرضية: "إنني معجب أشد الإعجاب بهذين الشابين" وسأبدأ بمهند، الشاب الـ.. "عشريني للتو" والـ.. "معرس للتو"، فهو مبدعٌ مخترعٌ ذكيٌ ماشاء الله لا قوة إلا بالله. هل تعلمون ما الذي تعنيه كلمة مخترع؟ تعني أن ينظر المرء إلى الماوراء، إلى ألا يكتفي بما توصل إليه سابقوه، إلى ألا يخشى المغامرة، إلى الهيكلة الجديدة، إلى القولبة المغايرة.
مهندٌ.. شفاه الله وعافاه.. نظر إلى أحد أطفال عائلته ذات يوم - كما ننظر نحن الأناس العاديون آلاف المرات - كان ذلك الطفل يكتب على الورقة فيخرج عن السطر وتنحدر كتابته باتجاه الأسفل يساراً، فقرر أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يرى فيها العالم مثل هذا الشيء، ولكم أن تتخيلوا باقي القصة، كما يمليه عليكم إبداعكم؛ كلٌ بقدر إبداعه.
مرةً ثانية.. يقوم باختراع غواصة تضرب رقماً قياسياً في الغوص إلى مسافة 6525 متراً تحت سطح البحر، فيما الرقم السابق 6500 متراً فقط إن لم تخني الذاكرة.
لم أصدق البتة أن عربياً يفعلها!! لم أصدق حتى رأيت ذلك المقطع الفيديوي على يوتيوب، ولكل قارئ أن يوياتويب مهند أبو دية باللغة العربية ليرى ذلك رأي العين.
مهند له اليوم أكثر من 20 اختراعاً، وقد نال التقدير المستحق من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، لكنه لم ينل التقدير من شاب أرعن انقضَّت سيارته عليه ليستيقظ من غيبوبته مبتور القدم، بالكاد يتحرك.. بالكاد يبصر.. بالكاد "يأمل"!
تُرى - يا تُرى - ما الذي كان سيقوله مهند أبو دية لو أمكنه تسجيل رسالة فيديوية مرفوعة على يوتيوب معنونة بـ "إلى أخي في الاختراع.. توماس أديسون"؟!
أشعر بكابوس وأنا أتخيل مهنداً يقول: هكذا قدرني شاب طائش من وطني وهكذا قدرني طبيب أطيش.. يا أديسون!
وأما هديل.. مسامرةُ الحمامة.. الواقفةُ على "عتبات الجنة" - وهذا هو اسم مدونتها heaven's steps - فيعجبني ذكاؤها الإعلامي الذي جعلها تبدأ من اقتناعها بأن "قلمي سيثبت جدارتي"، ومن أين بدأت؟ من جريدة الرياض؟ الحياة؟؟ الشرق الأوسط؟؟؟ لقد بدأت من "منتدىً إنترنتي" يؤكد فبه تفاعل الزوار مع ما يُكتب على جدارة الكاتب! من (جسد الثقافة) انطلقت.. لتكمل النصف الثاني للثقافة.. "روحَها".. وما كان لروح الثقافة أن تُنسج دون لمسة بناتية بارعة؛ وقبل هذا وذاك "محافظة" رباها والدها على الألم لموضي - ذلك الحلم الميت تحت الأقدام - وعلى الألم لعائشة - القابعة حتى الغد - في غرفة التشريح بتهمةٍ مبتذَلَة من "شهاب الإسلام" الذي كان وما زال وسيبقى محسوباً على الأخيار! وإن كان بالتأكيد.. لا يمثلهم، ولن!
أتساءل بصدق: هل نحن متألمون لهديل ومهند؟ أم أننا نتسلق على أكتافهم بهذه التدوينات المهترئة؟ هل أخذ أحدنا آلة حاسبة وضرب عدد أيام حالة هديل التي جاوزت الأسبوعين في عدد الساعات فالدقائق لندرك بصدق أي ظرف يعيشه هؤلاء الأناس وإن لم يكونوا سعوديين وإن لم يكونوا عرباً وإن لم يكونوا مسلمين وإن لم يكونوا بشراً؟!
عندما زرت مدونة هديل للمرة الأولى وجدت آخر كتاباتها يتناول فيلم "انشقاق" الفيلم الذي أنتجه (رائد سعيد) رداً على فيلم "فتنة" المسيء للقرآن، ومع أنني أختلف تماماً مع رؤية هديل التي أشارت إليها في ذلك التدوين، إلا أنني لا أستطيع البتة أن أخفي انبهاري من صَنعتها الإعلامية الفذة وهي ابنة العقدين والنصف؛ باركها الله وحفظها.
عندما تزور مدونة أي من الشباب وتجد تصميمها الآسر على سهولته كما تصنع بك "مدونة رشيد" لا يمكنك إلا أن تبدي إعجابك وتقر به.
عندما تزور مدونة شاب عشريني وترى التصنيفات الذكية.. كما تصنع بك "مدونة محمد بشير" لا يمكنك إلا أن تقر بسحر هذه المدونة وصاحبها.
وكذلك.. عندما تزور مدونةً تجمع يسر التصميم وجماله، بساطة المحتوى ونفوذه، سهولة القلم وامتناعه، تباين ألوان التعليقات واختلافها.. ناهيك عن إيمانك بأن هذا المدون ينتمي بالفعل إلى جيلك يا ابن الـ ويب 2.0 لا يمكنك إلا أن تقر بالإعجاب، وهذا ما فعلته مدونة هديل بنا نحن إخوتها وأخواتها معشر المدونين والمدونات الشباب، مع أن كثيراً منا.. لم يكن يعرفها البتة قبل أسبوعين!
هديل.. تشير في مدونتها إلى قناتها اليوتيوبية وإلى وجودها في الفايسبووك وغيرها.. وهذا الوجود يؤكد "انتماءها" إلى جيل الإعلاميين المبدعين الشباب الجدد؛ ذلك الانتماء الذي تستحق إزاءه المزيد من العناية.
صحيح أنك حين تزور قناتها اليوتيوبية لن تجد إلا مقطعين اثنين، لكن.. حسبُ الفتاة أنها سجلت حضورها "المبكر" في قنوات الإعلام الجديد كما يشير تاريخ تسجيلها في يوتيوب.
وبعيداًً لثوان عن هديل ومهند.. فإن المدونين العرب، لا بل وجميع الإعلاميين العرب، لا.. لا.. بل كل مستخدم للإنترنت على وجه المعمورة، من الضروري أن يعيد النظر كرتين في إثبات وجوده اليوم على كوكب الإنترنت طالما قُدر له أن يحيا معنا نحن الجيل الثاني من الإنترنتيين.
ما الذي أعنيه؟ أعني تماماً - وابدأِ العد معي إن شئت - أن كل فرد لا يستطيع اليوم أن يقول لك: أنا موجود على الإنترنت والدليل أن لي مليون نتيجة بحث على غوغل، ما لم يكن موجوداً أصلاً في عدد من المواقع الرئيسية التي صاغت الجيل الجديد من الإنترنت، وأبرز تلك المواقع: ويكيبيديا وفليكر ويوتيوب وفايسبووك وساكاندلايف وتيكنوراتي و.. غيرها، ولكم أتمنى أن يقوم كل متطوع يجيد التصميم والتعامل مع هذه المواقع أن يحجز حضوراً حقيقياً فاعلاً لكل من هديل ومهند في مواقع هذا الجيل.. فأيكم يفعلها؟
شفاك الله يا هديل.. شفاك الله يا مهند.
كتبها مروان المريسي في 09:50 مساءً ::
الاسم: مروان المريسي
